تعز عصية على الانكسار… وصخرة تتحطم عليها أوهام الإمامة

لقد واجه أبناء تعز سنوات قاسية من الحصار والقصف والمعاناة، ودفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم وأمنهم ولقمة عيشهم، ومع ذلك لم تنطفئ في وجدانهم شعلة الجمهورية، ولم تنجح محاولات الإخضاع في انتزاع إيمانهم بأن اليمن وطن لجميع أبنائه، لا ملكية وراثية لجماعة، ولا ساحة تفرض فيها الوصاية على شعب حر.

من واجبنا أن نعيد قراءة التاريخ اليمني بعقل واع، وأن نعرف الأجيال الجديدة بحقائق الماضي ودروسه، بعيداً عن الروايات الانتقائية والتضليل.

ففي القرن الرابع الهجري جاءت العديد من الاسر قادمة من فارس تصارع من يحكم اليمن جاء جيش من طابرستان ومن الديلم في عهد يحيى بن حسين الرسي إلى اليمن سنة ٢٨٠ هجرية، وارتبط اسمه بتأسيس الإمامة الزيدية في صعدة. وشهدت القرون التالية صراعات متعددة على السلطة، وتدخلات وتحالفات وصدامات دفع اليمنيون أثمانًا باهظة بسببها. وهي تفاصيل تستحق التوثيق والتمحيص التاريخي.

لكن الدرس الأهم ليس في الأصول أو الأنساب، بل في حقيقة لا تقبل الجدل لا يحق لأي جماعة، مهما كانت أصولها أو معتقداتها، أن تحتكر اليمن أو تفرض على شعبه شكل الحكم بالقوة. فالمعيار هو المواطنة والعدالة واحترام إرادة الناس، لا النسب ولا الادعاء بالحق في احتكار السلطة.

إن جيل الجمهورية والوحدة بحاجة إلى معرفة تاريخ الآباء والأجداد، وفهم تضحياتهم من أجل التخلص من الاستبداد، حتى لا تتحول الذاكرة الوطنية إلى رواية واحدة تُستخدم لتبرير الهيمنة أو تضليل المجتمع.

لقد راهنت المليشيات الحوثية على أن القوة العسكرية والحصار والقصف ستكسر إرادة تعز، وأن طول المعاناة سيدفع أبناءها إلى التخلي عن الجمهورية. لكن تعز أثبتت أن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك قلوب الناس، وأن المدافع قد تفرض واقعاً مؤلماً، لكنها لا تجعل الظلم عدلاً، ولا تمنح الاستبداد شرعية.

ستظل تعز صخرةً تتحطم عليها أوهام إخضاع المجتمع، ما دام أبناؤها متمسكين بالحرية والكرامة، وما دامت قضيتهم مرتبطة بالدولة والمواطنة، لا بالانتقام والكراهية. 

يا أبناء اليمن، إن تاريخكم أوسع من أن تختصره جماعة، وأعمق من أن تصادره سلطة. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن اليمن لا يصلح إلا لحكم فئة، أو أن الكرامة امتياز لبعض الناس دون غيرهم. فالأوطان لا تُبنى بالخرافة والخوف، وإنما بالعلم والعدالة والمواطنة المتساوية.

إن تعز التي صمدت في وجه الحصار والمعاناة تستحق موقفاً وطنياً مسؤولاً، لا مجرد الإشادة بتضحياتها. كما أن اليمن يستحق دولةً تحمي جميع أبنائه، وتحكم بالقانون، وتصون الحقوق، وترفض التمييز واحتكار السلطة.

قد يطول الطريق وتشتد المحن، لكن اليمن ليس شعبا بلا ذاكرة، ولا وطنا بلا إرادة. فالقوة قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع القناعة، والتهديد قد يخضع الناس مؤقتا، لكنه لا يمنح مشاريع الهيمنة شرعية دائمة.

ستبقى تعز عصية على الانكسار، وستظل الجمهورية عهداً لا يسقط بالتقادم، وسيبقى اليمن أكبر من أن يختزل في سلالة أو جماعة أو مشروع هيمنة. والأمل باق في دولة عادلة وموحدة، تصون كرامة الإنسان وتحفظ حقوق جميع اليمنيين.